علاقة
الرأسمالية باليهودية
بداية أود أن اعتذر على
تدخلي بالإجابة على سؤال ليس موجهاً إلي,ولكن رغم أن الأجوبة التي قدمها المفكر
الكبير "القيمة", كافية تماماً لكل ذي لب, خاصة عند تركيزه على مقياس
مدى حفظ النظام الرأسمالي على الأصول الخمسة "الدين والنفس والعقل والنسل
والمال" لأنها تعطي دليلاً كافياً على أصل أو مصدر ذلك النظام وعن أهدافه
النهائية.
حيث بالإمكان إثبات أن
الإسلام هو دين منزل من عند الله فقط بإظهار مثاليته المعجزة في حفظ تلك الأصول,
وأما بالنسبة للأنظمة الأرضية فإنه يمكن الحكم على مدى قربها أو بعدها من النظام
الإسلامي (من الناحية السياسية وليس الدينية) بقياس مدى حفظها لتلك الأصول وهذا ما
يعرضه المفكر الكبير "القيمة" جزاه الله خيراً,إلا أن البعض لا يقتنع
(وربما لن يقتنع) ولذا سأعرض أدلة تاريخية إضافية .
وهنا أقدم دراسة موجزة عن
تأثير جزء من العقيدة اليهودية (وليس محورها) في ظهور الرأسمالية الحديثة, وكذلك
كيف أن هذه الرأسمالية الحديثة أصبحت تقلّم من أظافر الرغبة اليهودية بالسيطرة
المطلقة بأن تسببت بفتح أبواب التنافس الرأسمالي الحر للجميع, فتحولت الرأسمالية
إلى وسيلة غير مضمونة لليهود للوصول لأهدافهم بالسيطرة اليهودية المطلقة ولم تصبح
هذه الرأسمالية غاية في حد ذاتها أبداً, لأنها أيضا أعطت المجال لغيرهم في
اسغلالها اقتصاديا وكذلك سياسياً.
كما أنه يمكننا أيضاً
التوسع بالموضوع خارج نطاق الجانب الإقتصادي, إلى الجانب السياسي ونقارن بين
الأنظمة الإشتراكية الدكتاتورية المغلقة وبين الأنظمة الرأسمالية الديمقراطية والتي
تتيح لأي كان بشرط أن يفهم اللعبة جيدا أن يؤثر تأثيراً كبيرا بالإتجاه الذي
يريده.
وقد أفردت للجانب السياسي سلسلة موضوعات مستقلة
تتحدث عن كيفية تعظيم دور الصوت الإنتخابي اليهودي الضئيل (2.4%) في محاولته ترجيح
كفة المرشح الذي يريده اليهود, وكذلك عن كيفية تعظيم دور اللوبي اليهودي في الضغط
على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية فأرجو أن
تتابعوا هذه الموضوعات بالإهتمام الكافي لأنها هي بيت القصيد في توضيح الجانب
الغربي الغامض من اللعبة اليهودية العالمية.
أولاً يجب أن نميّز بين
شكلين من أشكال الرأسمالية حتى يتسنى لنا تمييز هدف اليهود منها و لماذا يفضلون
الإشتراكية العلمية عليها؟
1- الرأسمالية الإقطاعية
أو التجارية القديمة.
2- رأسمالية المجتمعات
الحديثة أو «الرأسمالية الرشيدة» أو«الرأسمالية الصناعية أو الحقيقية».
ويتسم الشكل الأول بأنه
رأسمالية تعمل بنَقْل البضائع من مجتمع (غالباً زراعي) إلى آخر، أما نشاطها فيتركز
على عمليات التبادل دون أن تقوم بإنتاج أي سلع جديدة ولا تُضيف أي فائض قيمة.
أما الشكل الثاني، فإنه
يقوم بالاستثمار والمخاطرة وإنتاج السلع الجديدة. ولذا، نجد أن مركز الرأسمالية
الأولى هو السوق ، أما الثانية فمركزها المصنع.
ومن ثم، نجد أن
الرأسمالية الأولى هي مجرد جيب رأسمالي (تجاري مالي) في المجتمع الإقطاعي يعيش فيه
وبه، على نقيض الرأسمالية الحقيقية التي تُولَد في المدينة خارج المجتمع الإقطاعي
وتقف على الطرف النقيض منه وتقضي عليه في نهاية الأمر, واليهود يكرهون هذا الوضع
لأنه يفتح المجال لجميع الرأسماليين غير اليهود بمنافستهم.
مشكلة اليهود مع
الرأسمالية الإقطاعية أو التجارية القديمة أنه يشاركهم كبار الإقطاعيين في أرباح
تجارتهم ورباهم بما يفرضونه عليهم من
ضرائب وجمارك ..ألخ قد تطال كثيراُ من
أرباحهم, كما أنها تتطور في نهاية الأمر إلى رأسمالية المجتمعات الحديثة أو
الرأسمالية الرشيدة بسببهم, لأنهم يعملون
كخميرة لهذا التطور بسبب استخدامهم لقوانين العرض والطلب الحرة, فيؤدى ذلك إلى
استحداث طبقة تجارية جديدة محلية غير يهودية منافسة لهم.
وهاتان المشكلتان وإن
كانتا لا تؤديان إلى خسارة اليهود لرؤوس أموالهم إلا أنها لا تعطيهم عقيدتهم
اليهودية في أن الأرض ملك لهم والناس بهائم خلقوا لخدمتهم, وهذا جعلهم يفكرون في
نظام إقتصادي آخر يجعلهم وحدهم المالكون لكل شيء , ولذا اعتمدوا الإشتراكية
العلمية أو الماركسية المولودة من ثورة إشتراكية شيوعية يهودية كحل لأنها وحدها
تحقق عقيدتهم, وليس مثلا الإشتراكية الفابية التي تجعل كل شيء ملكاً لدولة
رأسمالية غير يهودية قررت أن تجرّب النظام الإشتراكي لحل مشاكلها في النظام
الرأسمالي, فهذه أيضاً لا تخدم اليهود كما أنه ثبت فشلها عملياً في بريطانيا
سابقاًً.
وأما الجواب المفصل فهو:
لا شك أن النسق الديني
اليهودي، في صياغته الأولى التوراتية، ثم في صياغاته التلمودية ثم
القبَّالية(الصوفية)، يحوي داخله قابلية لظهور الرأسمالية, والعقيدة اليهودية
عقيدة حلولية متطرفة تضع اليهودي في مركز الكون باعتباره امتداداً للخالق وتعمق من
إحساس اليهودي بأنه من الشعب المختار, والإحساس بالاختيار عقيدة تعزل اليهودي عن
واقعه المباشر وعن الجماعات الإنسانية المحيطة به فيصبح عنصراً موضوعياً وشخصاً
غريباً، وهذه صفات أساسية تخلق استعداداً كامناً لدى صاحبها لتبنِّي أخلاقيات
الرأسمالية المجردة والسوق الحر الذي يرى كل الظواهر باعتبارها خاضعة تماماً
لآليات العرض والطلب.
ثم إن تجربتهم التاريخية داخل التشكيل الحضاري
الغربي هي التي بلورت وضعهم وحوَّلت القابلية إلى حقيقة تاريخية واقعة. وأهم سمات
هذه التجربة أن اليهود قد نُظر إليهم، منذ البداية (داخل التشكيل الحضاري الغربي)،
باعتبارهم الشعب الشاهد، أي أنهم ليسوا جزءاً من جماعة الأغلبية المسيحية, أي أن
اليهود ظلوا خارج نطاق العلاقات الاقتصادية والدينية والأخلاقية للمجتمع الإقطاعي
وحافظوا على دور اليهود، كوسطاء وغرباء,إذ اضطلعوا بدور الجماعة الوسيطة، فكانوا
يقومون بنقل الفائض الزراعي والسلع الترفية، ويؤدون وظائف مالية وتجارية مختلفة في
غاية الحيوية للمجتمع الإقطاعي، مع أنها لم تكن من صميم العلاقات الإنتاجية لهذا
المجتمع، كما لم يكن بوسع بقية أعضاء المجتمع القيام بها.
ونتج عن ذلك أن وجود
اليهود في إطارالحضارة الغربية كان يتسم بعدم
الانتماء لأي تشكيل ثقافي أو طبقي محدَّد، فتحولوا إلى عنصر بشري حركي
يحتفظ برأسماله على هيئة نقود سائلة يمكن نقلها بسهولة من مكان إلى آخر. ودعم هذا
الاتجاه عدم السماح لليهود، في معظم الأحوال، بشراء العقارات الثابتة.
وأصبح اليهود يجسّدون
ضرباً من الاقتصاد الحركي المجرد داخل الاقتصاد الزراعي الثابت الطبيعي. ووصل هذا
التجريد إلى قمته في التنظيم الكامل لعلاقة اليهود بالمجتمع، وفي إحلال العلاقات
القانونية التعاقدية محل العلاقات التقليدية الشخصية المبنية على كلمة الشرف
والثقة التي كانت سائدة في المجتمع الإقطاعي.
وأدَّى عدم انتماء اليهود
وتجريدهم - إلى جانب وجود القابلية اليهودية للرأسمالية - إلى تحوُّل اليهود إلى
الخميرة التي ساعدت على نشوء الرأسمالية، دون أن يكونوا بالضرورة السبب
الوحيد في العملية التاريخية المركَّبة
التي أدَّت إلى ظهور الرأسمالية.
ويظهر دور اليهود، كخميرة
للنظام الرأسمالي في الغرب، في كثير من النشاطات التي لعبوها وفي إبداعاتهم. فهم
من أوائل منْ طوَّروا فكرة الأسهم والسندات التي تحقق تراكماً رأسمالياً يمكن
توجيهه إلى أي مجال استثماري قد يظهر، أي أنهم أسرعوا بعملية تجريد النقود بفصلها
عن الأفراد وعن الرغبات البشرية والعواطف والأخلاق، وزادوا كفاءتها كرأسمال،
وجعلوا مقياس الكفاءة الذي يُطبَّق عليها هو معدل الربحية وحسب.
كما أن قيم اليهود
التجارية المجردة كانت مختلفة عن القيم المسيحية التي كانت تنظر بعين الشك إلى
النشاط التجاري ككل، وإلى الربا على وجه الخصوص، وتهدف إلى أن تجعل من السوق
مكاناً يلتزم بالحد الأدنى من الأخلاق مثل فكرة الثمن العادل والأجر الكافي، مع
ضرورة إتاحة الفرصة لكل التجار لتحقيق ربح معقول مع وضع حدٍّ أقصى للأرباح.
وأدَّت هذه الأخلاقيات
المسيحية، المتخلفة من منظور رأسمالي دنيوي، والتي تخلط بين الاقتصاد والأخلاق،إلى
الحد من حركية التجارة.أما العنصر اليهودي، فلم يكن يدين بالولاء لمثل هذه
الأخلاقيات. بل ظهر بين اليهود مقياسان أخلاقيان: أحدهما يُطبَّق على الجماعة
اليهودية (باعتبارها جماعة مقدَّسة لها حرمتها) والآخر يُطبَّق على المجتمع ككل
(باعتباره لا حُرمة له ولا قداسة).
ولذا، لعب العنصر اليهودي
دوراً أساسياً في تحطيم الأخلاقيات المسيحية الاقتصادية الإقطاعية وفي تقويض هذا
الضرب من الاقتصاد المحافظ الذي تتداخل فيه العناصر الاقتصادية مع العناصر
الأخلاقية والدينية. فساهموا في عملية العلمنة والترشيد، أي فصل العنصر الاقتصادي
عن العناصر الأخرى، بحيث يصبح النشاط الاقتصادي مرجعية ذاته ولا يتم ضبطه من خلال
مرجعيات (أخلاقية أو دينية أو إنسانية) خارجة عنه. وأدَّى هذا إلى ظهور اقتصاد
تجاري مبني على التنافس وعلى محاولة تعظيم الربح (اقتصاد يطرح فكرة الإنتاج بلا
حدود وإشباع حاجات المستهلك التي لا تنتهي).
كما أن اليهود، بسبب عدم
انتمائهم، كانوا من أكثر العناصر حركية والتزاماً بالقوانين الاقتصادية للسوق
كقيمة مطلقة. فنجد أنهم حاولوا دائماً أن يوسِّعوا نطاق السوق وانتشاره، وهي
العملية التي انتهت إلى تحويل المجتمع بأسره إلى النمط الرأسمالي والتي أطلق عليها
ماركس تعبير «تهويد المجتمع».
وهذا التعبير الذي أطلقه
ماركس هو من أحد الأسباب في الإعتقاد السائد أن اليهود قد أنشؤوا النظام الرأسمالي
لتحقيق عقيدتهم, وليس الأمر كذلك بل الذي حصل أن المجتمع بكل طوائفه أصبح يتعامل
بقوانين العرض والطلب مثل اليهود, ولكن اليهود يريدون أن يكونوا وحدهم من يتعامل
مع الناس بذلك و بدون أن يكونوا تابعين للإقطاعيين وهذا لا يتحقق إلا بما أملاه
عليهم أستاذهم اليهودي ماركس.
وقد لعب يهود شرق أوربا
دوراً خاصاً، فالباعة اليهود، وكذلك اليهود الذين كانوا يقومون بأعمال الفنادق
الصغيرة وتقطير الخمور وبيعها وإنتاج الماشية في المناطق الريفية وجمع الضرائب
لحساب كبار الملاك، ساعدوا على إدخال عناصر التبادل واقتصاد المال. وكان نشاط صغار
التجار اليهود في المناطق الريفية يشجع إنتاج فائض زراعي لزيادة استهلاك البضائع
غير الزراعية، كما كان يساهم في إبعاد جزء من قوة العمل الزراعي عن الأراضي،
وتوجيهها إلى صناعة الأكواخ المنزلية وخدمات النقل. وهذا النشاط هو الذي ساعد على
خلق قوة عمل غير زراعي في المناطق الريفية تعتمد على الأجور أكثر من اعتمادها على
العائد من الأرض.
وربما كان من العناصر
الأساسية التي جعلت من اليهود خميرة للنظام الرأسمالي أنهم، نظراً لانتشارهم
(شتاتهم) على هيئة جماعات منفصـلة مترابـطة، كانوا عنصراً بشــرياً متعدد
الجنسيات، عابراً للقارات، إن صح التعبير. فقد كان ليهود بولندا علاقات تجارية
ومالية وثيقة مع يهود ألمانيا ومع يهود العالم الإسلامي، وهلم جراً. وساهم هذا في
تسهيل عملية التجارة الدولية وتوسيع نطاق السوق، كما سهل عملية جمع المعلومات
التجارية، الأمر الذي جعلهم قادرين على المنافسة.
ولكن ّهذه القدرة الكبيرة
على المنافسة الناتجة عن شتاتهم على هيئة جماعات منفصـلة مترابـطة لا تعني أنهم
وحدهم القادرين على ذلك ولاتعني حتمية سيطرتهم التجارية المطلقة.
لكل ما تقدَّم، نجد أن
تاريخ اليهود في الغرب مرتبط بتاريخ الرأسمالية في كثير من الوجوه. ومن الملاحظ أن
كثيراً من الدول التي كانت لها مشاريع تجارية أو استعمارية، كانت ترى أن العنصر
اليهودي عنصر أساسي في هذه العملية ويمكن الاستفادة من خبراته ورأسماله كما يمكن
توظيفه في أماكن نائية وجديدة، فهو عنصر حركي وحسب. وقد تم توطين اليهود في بولندا
في القرن الثالث عشر مع التجار الألمان، لتشجيع الاقتصاد التجاري. ثم تم توطينهم
في أوكرانيا بعد ضمها إلى بولندا للسبب نفسه. كما تم توطين اليهود في كثير من
المستعمرات الاستيطانية والمراكز التجارية التابعة لإنجلترا وهولندا في العالم
الجديد.
ولكن، ورغم أهمية الدور
الذي لعبه اليهود كخميرة ساعدت في نشوء الرأسمالية الحديثة الرشيدة، فإنهم كجماعة
وسيطة ظلوا مرتبطين بالطبقة الحاكمة في المجتمعات الإقطاعية تابعين لها يخدمونها
ويخدمون مصالحها. فالتجارة والربا اليهوديان، أي
«الرأسمالية الإقطاعية»، لم يشكلا نقيضاً للمجتمع الإقطاعي وإنما خلية
داخله.
ولذا، كانت هذه التجارة
اليهودية تقع ضحية عملية ظهور الرأسمالية الرشيدة المحلية (غير اليهودية)رغم أنها
ساهمت هي نفسها في الإعداد لها وتخميرها وإن كانت ساهمت أيضاً في قمعها وتأخير
ولادتها كما حدث في بولندا مثلاً.
إذن اليهود بسبب عقيدة
الشعب المختار أصبحوا رأسماليين, ولكن هذا أدى إلى ظهور رأسماليين منافسين من غير
اليهود لأن النظام الأخلاقي المسيحي الذي كان يمنع المسيحيين من الربا وحرية
التجارة قد انهار بفعل عوامل كثير منها اليهود أنفسهم و حركة الإصلاح الديني وغير
ذلك, وهذا جعل اليهود يعتمدون الشيوعية الدكتاتورية كحل وحيد وكغاية مقصودة لذاتها
في مخططهم للسيطرة على العالم وحكمه, وأما الرأسمالية الديمقراطية فجعلوها مجرد
طريق ووسيلة يحاولون بها التخلص منها لإقامة دولتهم الشيوعية العالمية على
أنقاضها.
لذلك فإن كل من يريد
المحافظة على الرأسمالية والديمقراطية فصحيح أنه يُبقي السيطرة الجزئية اليهودية
الإقتصادية والسياسية إلا أنه أكبر معرقل قي الوقت الحالي لهدفهم النهائي في
السيطرة التامة وإلغاء أي منافسة إقتصادية أو سياسية لهم.
وهذا هو سبب تركيزنا في
الوقت الحالي على الجانب الشيوعي, أما لو كنا في نعيش القرون الماضية قبل الشيوعية
وقبل اكتمال نشوء الرأسمالية فإننا سنهاجم الرأسمالية لأنها الطريق إلى بداية
سيطرة اليهود أما الآن فهي تقف في طريق إكمال أهدافهم الخسيسة.
المرجع: موسوعة اليهود و
اليهودية و الصهيونية د.عبد الوهاب المسيري /م3/ ج1/ ب6/ موضوع (دور الجماعات
اليهودية في ظهور الرأسمالية) (بتصرف).








